(متاهة) طلبة إعلام في غرفة (017)/تمارا فحماوي/بعد التعديل
جنين:كتبت تمارا فحماوي- تسيطر صباح الأربعاء الثامن من تشرين ثاني، عتمة خافتة في مختبر (017) في مبنى كلية الآداب والستائر الزرقاء مغلقة ومع ضوء شاشة جهاز العرض ينعكس ضوءً أزرق اللون يشد أنظار الطلبة الذين انهمكوا في "متاهة" دراسة القصة الصحافية.
بينما تم عرض مقدمة صحافية لإحدى الطالبات ومناقشتها نظرتُ يميني ومن شق صغير للستائر كانت الرياح تتضارب مع الأشجار وتهزها يميناً ويساراً، ذكرني ذلك المشهد حين كنتُ وزميلتي براء عطّون نهم بالعودة من الجامعة إلى سكننا، وكانت الرياح أقرب إلى أن تسحبنا معها من شدة قوتها، كأن أحداً خلفنا يدفعنا بالقوة وتنفسنا الصعداء لوصولنا بأمان.
ضجيج طلبة خارج القاعة كان كفيلاً ب"عودتي" إلى المكان، وإذا بمدرس مساق التطبيقات الإعلامية د.محمود خلوف يطلب من الزميلة سناء كميل التدخّل... خاطبتهم "لو سمحتم، ألا تعلمون أن نقاشكم بصوتٍ عالٍ يزعجنا! هذه محاضرة عليكم احترام حرمة المكان".
من بين خمسة عشر طالباً "تبعثروا" على الطاولات بشكلٍ اعتدنا عليه ليختار الدكتور الطالب صهيب قبها للإجابة، وعقب نصف دقيقة من الصمت صدَم المدرس "الأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح يا دكتور ونتمنى أن يتسع صدرك لتعيد الشرح".
واستدرت يمينا لتلتقط عيناي زميلتي عريب أبو الرب التي بهيئتها ومكانها وارتباكها ذكّرتني في محاضرة البلاغة العربية عند الدكتور عماد أبو الحسن حين جلس قبل عامين في المكان ذاته.
أيقن المحاضر بأننا قد تعثرنا جميعا وبرزت ملامح الحيرة الممزوجة بالأسى على وجهه مرددا" ليش بتقولوش أنكم مش فاهمين المادة النا ثلاث اسابيع منشرح فيها، شو قصتكم، أنا هذا الأسلوب ما بحبو فالصراحة راحة".
وتداركت الطالبة ساجدة جنتولي الموقف بقولها: الأمر ليس هكذا بالضبط ، صحيح أن هنالك اشكالية لكن يمكن تداركها ببساطة تتمثل بالخروج من جمود النص وإجادة فكرة تصوير مشهد إنساني، نحن نتمنى بأن ننقد جميعا قصة جديدة وأن نستفيد من علمك قدر المستطاع.
واستطاعت إخراج القاعة من مأزق فعلي، وبدا تقبل المدرس لطرحها بالطلب من نداء لحلوح بالذهاب إلى مركز التصوير وجلب قصة جديدة حول تشي جيفارا.
لم تطمئن كميل من تطورات الأحداث في القاعة واتضح لي أنها خشيت من أن ينفذ خلوف تهديده السابق بعمل امتحان قصير (كويز) بعشر علامات وخاطبته "أنا شخصيا خجلانة من نفسي وأكيد الغالبية تشاركني هذا الشعور، نأمل بألا تقابل استخفافنا بالقصاص، وأن تمنحنا مُهلة حتى نهاية الأسبوع لنتمكن من الانتهاء من الامتحان الأول ونضمن بأن نكون بوضع نفسي أفضل".
وتشتت الضوء الخافت لجهاز العرض، الذي بذل المدرس جهداً لإصلاحه بسبب تأخر عملية استبداله، تململ غالبية الطلبة بعدما أُجهدوا في ترتيب أفكارهم للوصول إلى تصور أوضح بشأن القصة وتصوير المشاهد الإنسانية فيها، آملين بأن يحققوا إنجازا في هذا الجانب.
فُجأة قُرع الباب ودخلت لحلوح تحمل في يدها اليسرى 17 نسخة ورقية، تتضمن نصا مبَعثراً يحتاج الكثير من الترتيب والتنميق، قابلها المدرس بابتسامة "سلم الله يداك وزعي الأوراق واعط كل طالب وليبدأ الجميع القراءة المتأنية لترميم النص".
بدأت أصوات الأوراق تتعالى ونقرات الأقلام تتصاعد، الكل حضّر نفسه لأشبه بمعركة "على ساحة تشي جيفارا"، لم تلبث هذه الطالبة أن تجلس على مقعدها إلا وصوت ميمونة محاجنة يصدح "دكتور لدي اقتراح للمقدمة"، فأجابها اكتبيها على السبورة، فأبعدت الكرسي بحماسة لتسبب عجلاته تشويشا غطى عليه سرعة تناولها للقلم الخطاط أسود اللون لتخط كلمات متناسقة، فظهر رِضاه من خلال عبارات الإطراء.
جوٌّ جدي، تركيز واضح، لم يخطفه سوى أصوات مشجعي فريق الجامعة لكرة القدم داخل الستاد البيتي، على بعد أقل من مئةِ متر من مجلسنا، فتذكرت نفسي عام 2012 حينَ ضجرت من ضجيج ملعب كرة القدم الذي كان في الجزء الشرقي من مدرسة الشاملة الثانوية.
وأثناء قراءتي للقصة لفتت انتباهي صورة جيفارا في منتصف الورقة التي أعادتني إلى أخرى للقائد ياسر عرفات وهو يرفع اصبعيه الوسطى والسبابة رمزا للحرية، قاطع شرودي المحاضرطالبا من زميتلي شموع كميل القراءة بصوت مرتفع.
نظرت يميني إلى شموع فبدا التوترواضحا من وجهها الأحمر ونبرتها المرتجفة، فبدأت بصوت منخفض"هي صورة لشاب وسيم تشع عيناه..."، قاطعها المدرس " ارفعي صوتك حتى يسمعك الجميع".
مرّت ساعة على المحاضرة، ونحن مستغرقين في مناقشة المادة، التي بصراحة كانت أبعد بكثير من أن نسميها قصة صحافية، فشاركنا جميعا بتعديلها، كلمة كلمة، فقرة فقرة، بل حولناها إلى مادة تستحق أن يقال لها قصة إنسانية فعلاً.
وفي لحظة عملنا على ترميم القصة، سمعتُ أحدهم خارج القاعة: "انتهت المحاضرة". وبدأت أصوات أقدام الطلبة تعلو الواحدة تلو الأخرى، حتى التفت لنا الدكتور وقال: "يعطيكم العافية، بكفي اليوم، ومع السلامة".
وأثناء انشغال زملائي بالمغادرة استدرت يمينا نحو الشباك لأرى علم فلسطين في الركن الأيمن منملعب كرة القدم يرفرف، شعرتُ بأنه قد مدني بالأمل وبطاقةٍ رائعة لكي أكتبَ وأبدع من اجل الوطن.
_____
(ت.ف)
