خطوة الى النجاح // ساجدة نتولي
جنين- ساجدة حنتولي- في التاسع من نوفمبر، وبعيد الساعة الثامنة صباحاً، حيث خيوط الشمس الذهبية ونسمات الهواء الباردة القادمة عبر شباكين شرقيين لغرفة 017 في مبنى كلية العلوم والأداب في الجامعة العربية الامريكية، جلست الطالبة ساجدة حنتولي بجسد منهك في المقعد الاخير من تعب اسبوع نتيجة تقديم الإمتحانات، وفي عتمة يتسللها ضوء خافت رغم وجود ثمانية مصابيح لم تلبث أن وادركها النوم فنامت في مكانها .
بدأ الدكتور محمود خلوف في إعطاء محاضرة التطبيقات الإعلامية كما اعتاد عليه الطلبة الخمسة عشر، وذهب بنظره تلقائياً إلى ساجدة وعلامات الغضب تظهر على وجهه الحنطي، وبصوت حاد" نايمة!"، برجفة خفيفة وعلامات التوتر تبرز على وجهها وصوت متقطع اجابته" لا، لكنني اشعر بالإرهاق، فلم أنم يوم أمس جيدا لانني لم أنه مادة امتحان القضايا المعاصرة لكونها مادة تحتاج لوقت طويل".
وعقب صمت دام دقيقة التفت لها الدكتور، مرددأ: " روحي غسلي وجهك، بديش تنامي مرة تانية عشان تعرفي تركزي بمحاضرتك" فخرجت.
واستدار الدكتور يمينا لتلتقط عينيه صهيب قبها للاجابة بصوت متردد خائف: الأمر يحتاج الى مزيد من الشرح يا دكتور ونتمنى أن يتسع صدرك لتعيد الشرح.
أيقن مدرس المساق بأننا قد تعثرنا جميعا وبرزت ملامح الحيرة الممزوجة بالأسى على وجهه مرددا" ليش بتقولوش أنكم مش فاهمين المادة النا ثلاث اسابيع منشرح فيها، شو قصتكم، أنا هذا الأسلوب ما بحبو فالصراحة راحة".
وتداركت الطالبة تمارة فحماوي الموقف بقولها الأمر ليس هكذا بالضبط صحيح ان هنالك اشكالية لكن يمكن تداركها ببساطة وهي تتمثل بالخروج من جمود النص واجادة فكرة تصوير مشهد إنساني، نحن نتمنى بأن ننقد جميعا قصة جديدة وأن نستفيد من علمك قدر المستطاع.
واستطاعت فحماوي اخراج القاعة من مأزق فعلي وبدا تقبل المدرس لطرحه بالطلب من نداء لحلوح بالذهاب الى مركز التصوير وجلب قصة جديدة حول تشي جيفارا.
لم تطمئن سناء كميل من تطورات الأحداث بالقاعة واتضح لي أنها خشيت من أن ينفذ دكتور خلوف تهديده السابق بعمل امتحان قصير (كويز) بعشر علامات وخاطبته "أنا شخصيا خجلانة من نفسي وأكيد الغالبية تشاركني هذا الشعور، نأمل بألا تقابل استخفافنا بالقصاص وأن تمنحنا مهلة حتى نهاية الأسبوع لنتمكن من الانتهاء من الامتحان الأول ونضمن بأن نكون بوضع نفسي أفضل".
تشتت الضوء الخافت لجهاز العرض الذي بذل المدرس جهداً لإصلاحه بسبب تأخر عملية استبداله تململ غالبية الطلبة, الذين اجهدوا في ترتيب أفكارهم للوصول إلى تصور أوضح بشأن القصة وتصوير المشاهد الإنسانية فيها، آملين بأن يحقق انجازا/اختراقا في هذا الجانب.
فجأة قرع الباب ودخلن ساجدة ونداء التي كانت تحمل بين يدها 17 نسخة ورقية، تتضمن نصا متبعثرا يحتاج الكثير من الترتيب والتنميق، قابلها المدرس بابتسامة “سلم الله يداك وزعي الأوراق واعط كل طالب وليبدأ الجميع القراءة المتأنية لترميم النص.
بدأت أصوات الأوراق تتعالى ونقرات الأقلام تتصاعد، الكل حضر نفسه لأشبه بمعركة "على ساحة تشي جيفارا".
لم تلبث نداء أن تجلس على مقعدها إلا وصوت ميمونة محاجنة يصدح "دكتور لدي اقتراح للمقدمة"، فأجابها اكتبيها على الصبورة.
أبعدت ميمونة الكرسي بحماسة لتسبب عجلاته تشويشا غطى عليه سرعة تناولها للقلم الخطاط أسود اللون لتخط كلمات متناسقة، فظهر رضى المدرس من خلال عبارات الإطراء.
جو جدي، تركيز واضح، لم يخطفه سوى أصوات مشجعي فريق الجامعة لكرة القدم داخل الأستاد البيتي، على بعد أقل من 100متر من مجلسنا، فتذكرت أنني عام 2012 ضجرت/عانيت من ضجيج ملعب كرة القدم الذي كان في الجزء الشرقي من مدرسة قباطية الثانوية للبنات.
وأثناء قراءتي للقصة لفتت انتباهي صورة جيفارا في منتصف الورقة التي أعادتني إلى أخرى للقائد ياسر عرفات وهو يرفع اصبيعي الوسطى والسبابة رمزا للحرية، قاطع شرودي المحاضرطالبا من زميتلي شموع كميل القراءة بصوت مرتفع.
نظرت يميني إلى شموع فبدا التوتر واضحا على وجهها الأحمر ونبرتها المرتجفة، فبدأت بصوت منخفض"هي صورة لشاب وسيم تشع عيناه..."، قاطعها المدرس " ارفعي صوتك حتى يسمعك الجميع"، فعادت للقراءة من جديد بصوت قوي مما أعطى الطلبة دفعة للأمام، وإيحاء جو من الحماس داخل القاعة.
وبقي الطلبة ينقدون القصة كلمة كلمة، وفقرة فقرة، اذ بصوت اشخاص من خارج القاعة يلفتون الإنتباه لإنتهاء المحاضرة، فحملوا حقائبهم وأغراضهم مرددين "يعطيك العافية"
ــــــــــــــــــــــــــ
س.ح(9:00ف)،(7:00غرينتش)
