الخروج من مأزق التطبيقات/ صهيب قبها
جنين: كتب صهيب قبها
في صبيحة يوم الإثنين، الثامن من تشرين ثانٍ 2016، وبعيد الثامنة صباحاً، وحينما كانت تتساقط خيوط الشمس الذهبية عبر شباكين شرقيين أخضري اللون لغرفة 017 في كلية الآداب في لجامعة العربية الأمريكية، "اجتاح" محاضرة التطبقات الإعلامية صوت حفيف الأشجار التي تتلاطم أغصانها بسبب الرياح القوية في الخارج.
من بين خمسة عشر طالباً "تبعثرنا" على الطاولات بشكلٍ اعتدنا ومدرس المادة عليه، ليسأل مدرس المساق الدكتور محمود خلوف عن مدى التزامهم بإنجاز التكليف البيتي بكتابة مقدمة لقصة صحفية، فساد سكونٌ لنصف دقيقة ليقطعه الطالب صهيب قبها بصوتٍ أنهكه الإنفلونزا، أجاب دون استئذان: الأمر يحتاج إلى مزيدٍ من الشرح يا دكتور، ونتمنى أن يتسع صدرك لتعيد الشرح.
واستدرت يمينا لتلتقط عيناي زميلي منذر مفرح الذي بهيئته ومكانه وارتباكه ذكرني في محاضرة البلاغة العربية عند الدكتور عماد أبو الحسن حين جلس قبل عامين في المكان ذاته.
أيقن مدرس المساق في تلك اللحظة بأننا قد تعثرنا جميعاً، وبدت ملامح الحيرة الممزوجة بالأسى على وجهه مردداً" ليش مش عاملن الواجب البتي اللي عليكم، أنا هذا الأسلوب ما بعجبني من مرة، هذا استخفاف سأقابله بردٍ مناسب، ".
وتداركت الطالبة تمارة فحماوي الموقف بقولها: الأمر ليس هكذا بالضبط، صحيح أن هنالك إشكالية لكن يمكن تداركها ببساطة وهي تتمثل بالخروج من جمود النص وإجادة فكرة تصوير مشهد إنساني، نحن نتمنى بأن ننقد جميعاً قصة جديدة وأن نستفيد من علمك قدر المستطاع.
واستطاعت فحماوي إخراج القاعة من مأزق فعلي وبدا تقبل المدرس لطرحها بالطلب من نداء لحلوح بالذهاب إلى مركز التصوير وجلب قصة جديدة حول تشي جيفارا.
لم تطمئن سناء كميل من تطورات الأحداث بالقاعة واتضح لي أنها خشيت من أن ينفذ دكتور خلوف تهديده السابق بعمل امتحان قصير (كويز) بعشر علامات وخاطبته "أنا شخصياً خجلانة من نفسي وأكيد الغالبية بتشاركني هذا الشعور، نأمل بألا تقابل استخفافنا بالعقاب وأن تمنحنا مهلةً حتى نهاية الأسبوع لنتمكن من الانتهاء من الامتحان الأول ونضمن بأن نكون بوضع نفسي أفضل".
تشتت الضوء الخافت لجهاز العرض الذي بذل المدرس جهداً لإصلاحه بسبب تأخر عملية استبداله، تململ غالبية الطلبة الذين أجهدوا في ترتيب أفكارهم للوصول إلى تصور أوضح بشأن القصة وتصوير المشاهد الإنسانية فيها، آملين بأن يحققوا إنجازاً في هذا الجانب.
فجأة قرع الباب ودخلت نداء تحمل بين يدها 17 نسخة ورقية، تضمن نصاً متبعثراً يحتاج الكثير من الترتيب والتنميق، قابلها المدرس بابتسامة “يسلمو ايديك وزعي الأوراق واعط كل طالب نسخة وليبدأ الجميع القراءة المتأنية لترميم النص".
بدأت أصوات الأوراق تتعالى ونقرات الأقلام تتصاعد، الجميع حضر نفسه لأشبه بمعركة "على ساحة تشي جيفارا".
لم تلبث نداء أن تجلس على مقعدها إلا وصوت ميمونة محاجنة يصدح "دكتور لدي اقتراح للمقدمة"، فأجابها اكتبيها على السبورة.
أبعدت ميمونة الكرسي بحماسة لتسبب عجلاته تشويشا غطى عليه سرعة تناولها للقلم الخطاط أسود اللون لتخط كلمات متناسقة، فظهر رضى المدرس من خلال عبارات الإطراء.
جو جدي، تركيز واضح، لم يخطفه سوى أصوات مشجعي فريق الجامعة لكرة القدم داخل الاستاد البيتي، على بعد أقل من خمسين متراً من مجلسنا، فتذكرت كيف أنني عام 2012 ضجرت من ضجيج ملعب كرة القدم الذي كان في الجزء الشرقي من مدرسة طورة الثانوية للبنين.
وأثناء قراءتي للقصة لفتت انتباهي صورة جيفارا في منتصف الورقة التي أعادتني إلى أخرى للقائد ياسر عرفات وهو يرفع اصبيعي الوسطى والسبابة رمزا للحرية، قاطع شرودي المحاضرطالبا من زميتلي شموع كميل القراءة بصوت مرتفع.
نظرت يميني إلى شموع فبدا التوتر واضحا من وجهها الأحمر ونبرتها المرتجفة، وبصوت منخفض"هي صورة لشاب وسيم تشع عيناه..."، قاطعها المدرس " ارفعي صوتك حتى يسمعك الجميع".
لتعود مرة أخرى للقراءة بصوت عالٍ وواضح دفع الحاضرين لاستماع إليها جيداً، لتقطعها دقائق الساعة التي مرت كسرعة البرق الخاطف وصوت الدكتور محمود خلوف قائلاً :"انتهت المحاضرة فعلى الجميع استكمال قرائتها في البيت؛ لأننا سنناقشها لاحقاً".
لتعلو أصوات الطلبة وحقائبهم وكتبهم مغادرين القاعة، وبدت البهجة على وجوههم مرددين عبارة واحدة: "الله يعطيك العافية دكتور".
