معاناة طلبة الإعلام في (017)/تمارا فحماوي
جنين:الجامعة العربية الأمريكية- تمارا فحماوي- تسيطر صباح الأربعاء عتمة خافتة في مختبر (017) في مبنى كلية الآداب والستائر الزرقاء مغلقة ومع ضوء شاشة جهاز العرض ينعكس ضوءً أزرق اللون يشد أنظار الطلبة الذين انهمكوا في "متاهة" دراسة القصة الصحافية.
بينما تم عرض مقدمة صحافية لإحدى الطالبات ومناقشتها نظرتُ يميني ومن شق صغير للستائر كانت الرياح تتضارب مع الأشجار وتهزها يميناً ويساراً، ذكرني ذلك المشهد حين كنا أنا وزميلتي براء نهم بالعودة من الجامعة إلى سكننا، وكانت الرياح أقرب إلى أن تجرنا وتسحبنا معها من شدة قوتها، كأن أحداً خلفنا يدفعنا بالقوة حتى مشينا بسرعة.
ثم صدر صوت من خارج القاعة، طلابٌ يتحدثون بصوتٍ مرتفع، لم تحتمل الزميلة سناء كميل إزعاجهم حيث كانت تجلس بالقرب من باب غرفة المساق، طلبت من دكتور المساق (محمود خلوف) بأن تخرج لتذكيرهم: "لو سمحتم، ألا تعلمون أن حديثكم بصوتٍ عالٍ يزعجنا؟ هنا محاضرة عليكم إحترام المكان".
خمسة عشر طالباً "تبعثرنا" على الطاولات بشكلٍ اعتدنا ومدرس المادة على هذا التوزيع فيذهب بنظره تلقائياً صوب صهيب قبها الذي اختاره للإجابة، وعقب نصف دقيقة التفت صهيب وأجاب: الأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح يا دكتور ونتمنى أن يتسع صدرك لتعيد الشرح.
واستدرت يمينا لتلتقط عيناي زميلتي عريب أبو الرب التي بهيئتها ومكانها وارتباكها ذكّرتني في محاضرة البلاغة العربية عند الدكتور عماد أبو الحسن حين جلس قبل عامين في المكان ذاته.
أيقن مدرس المساق بأننا قد تعثرنا جميعا وبرزت ملامح الحيرة الممزوجة بالأسى على وجهه مرددا" ليش بتقولوش أنكم مش فاهمين المادة النا ثلاث اسابيع منشرح فيها، شو قصتكم، أنا هذا الأسلوب ما بحبو فالصراحة راحة".
وتداركت الطالبة تمارة فحماوي الموقف بقولها الأمر ليس هكذا بالضبط صحيح أن هنالك اشكالية لكن يمكن تداركها ببساطة تتمثل بالخروج من جمود النص وإجادة فكرة تصوير مشهد إنساني، نحن نتمنى بأن ننقد جميعا قصة جديدة وأن نستفيد من علمك قدر المستطاع.
واستطاعت فحماوي إخراج القاعة من مأزق فعلي وبدا تقبل المدرس لطرحه بالطلب من نداء لحلوح بالذهاب إلى مركز التصوير وجلب قصة جديدة حول تشي جيفارا.
لم تطمئن سناء كميل من تطورات الأحداث بالقاعة واتضح لي أنها خشيت من أن ينفذ دكتور خلوف تهديده السابق بعمل امتحان قصير (كويز) بعشر علامات وخاطبته "أنا شخصيا خجلانة من نفسي وأكيد الغالبية تشاركني هذا الشعور، نأمل بألا تقابل استخفافنا بالقصاص وأن تمنحنا مهلة حتى نهاية الأسبوع لنتمكن من الانتهاء من الامتحان الأول ونضمن بأن نكون بوضع نفسي أفضل".
تشتت الضوء الخافت لجهاز العرض الذي بذل المدرس جهداً لإصلاحه بسبب تأخر عملية استبداله، تململ غالبية الطلبة الذين أُجهدوا في ترتيب أفكارهم للوصول إلى تصور أوضح بشأن القصة وتصوير المشاهد الإنسانية فيها، آملين بأن يحقق انجازا في هذا الجانب.
فجأة قُرع الباب ودخلت نداء تحمل بين يديها 17 نسخة ورقية، تتضمن نصا متبعثرا يحتاج الكثير من الترتيب والتنميق، قابلها المدرس بابتسامة “سلم الله يداك وزعي الأوراق واعط كل طالب وليبدأ الجميع القراءة المتأنية لترميم النص”.
بدأت أصوات الأوراق تتعالى ونقرات الأقلام تتصاعد، الكل حضر نفسه لأشبه بمعركة "على ساحة تشي جيفارا". لم تلبث نداء أن تجلس على مقعدها إلا وصوت ميمونة محاجنة يصدح "دكتور لدي اقتراح للمقدمة"، فأجابها اكتبيها على السبورة. أبعدت ميمونة الكرسي بحماسة لتسبب عجلاته تشويشا غطى عليه سرعة تناولها للقلم الخطاط أسود اللون لتخط كلمات متناسقة، فظهر رِضى المدرس من خلال عبارات الإطراء.
جوٌّ جدي، تركيز واضح، لم يخطفه سوى أصوات مشجعي فريق الجامعة لكرة القدم داخل الأستاد البيتي، على بعد أقل من مئةِ متر من مجلسنا، فتذكرت نفسي عام 2012 حينَ ضجرت من ضجيج ملعب كرة القدم الذي كان في الجزء الشرقي من مدرسة قباطية الثانوية للبنات.
وأثناء قراءتي للقصة لفتت انتباهي صورة جيفارا في منتصف الورقة التي أعادتني إلى أخرى للقائد ياسر عرفات وهو يرفع اصبعي الوسطى والسبابة رمزا للحرية، قاطع شرودي المحاضرطالبا من زميتلي شموع كميل القراءة بصوت مرتفع.
نظرت يميني إلى شموع فبدا التوتر واضحا على وجهها الأحمر ونبرتها المرتجفة، فبدأت بصوت منخفض"هي صورة لشاب وسيم تشع عيناه..."، قاطعها المدرس " ارفعي صوتك حتى يسمعك الجميع".
مرّت ساعة على المحاضرة، وكنا ما زلنا نناقش المادة التي بصراحة كانت أبعد بكثير من أن نسميها قصة صحافية، فشاركنا جميعا بتعديلها، كلمة كلمة، فقرة فقرة، بل حولنا إلى مادة تستحق أن يقال لها قصة إنسانية فعلاً.
وفي لحظة إنشغالنا بترميم القصة، سمعتُ صوتا خارج القاعة: انتهت المحاضرة، وبدأت أصوات أقدام الطلبة تعلو الواحد تلو الآخر، حتى التفت لنا الدكتور وقال لنا: "يعطيكم العافية، بكفي لليوم، ومع السلامة".
