Untitled Document

نحو الأمية/ ديما حمدان

نشر بتاريخ : 2016-12-06

الصباح -فى العاشرة من صباح العاشر من سبتمبر 2015 ترجل عشرات الشباب من سيارات ميكروباص بشارع قصر العينى وسط القاهرة. دقائق قليلة مرت ثم قام بعضهم بإخراج أوراق وشهادات الماجستير والدكتوراه الخاصة بهم، بعدما استقروا أمام بوابة مجلس الوزراء وأشعلوا فيها النيران حتى تفحّمت أمام عدسات المصورين.

قاموا بحرق الشهادات والأوراق الأصلية اعتراضًا منهم على عدم تعيينهم بوظائف حكومية بعدما ذاقوا مرارة الظلم لتعيين من هم أقل منهم فى المستوى التعليمى بوظائفهم التى لطالما انتظروها بمن فيهم أميون لا يجيدون القراءة والكتابة، مع أنهم حصلوا على شهادات محو أمية أهلتهم للحصول على وظائف حكومية.

يتم ذلك عن طريق تحايل أساتذة ومشرفين على نظام محو الأمية بإدخال مُتعلمين من خريجى الجامعات والمؤهلات المتوسطة بدلًا من الأميين لاجتياز الامتحانات ببطاقات الرقم القومى للأميين المسجلين لدى هيئة محو الأمية وتعليم الكبار، وذلك للحصول على مميزات مالية ووظيفية بشكل غير قانونى، حسبما وثق معد التحقيق.

 معد التحقيق امتحن 3 حاصلين على الشهادة فى «كتابة جملة» فكتبوا كلمة واحدة بـ «العافية»

«سلمان م.»، ثلاثينى، يقيم بمحافظة المنوفية، واحد من بين مليون وسبعة وخمسين ألف شخص فى مصر، حصلوا على شهادة محو الأمية من الهيئة العامة لتعليم الكبار عام 2015 حسبما أعلنت الهيئة. حصل عليها على الرغم من أنه لا يستطيع القراءة والكتابة حتى الآن. أكد فى مقابلة موثقة مع معد التحقيق، أنه حصل عليها بعدما أعلنت مآذن أحد المساجد بقريته كفر الحمى بمركز أشمون عن امتحان فورى لمن يريد استخراج شهادة محو أمية، فذهب مع بعض أهالى القرية ليجدوا رجلًا بمفرده يحمل حقيبة كتف وزع أوراق الامتحان على الممتحنين فى اللجنة، وأشار إلى أن المشرف غشش الإجابات وكتب للممتحنين بخط يده، وتم السماح بأن يتناقل الجالسون بجوار بعضهم الإجابات فيما بينهم، كى يقوم المُتعلمون بالكتابة للأميين فى أوراق الإجابة التى هى ذات أوراق الامتحان، فيما ساعد البعض الآخر بإملاء الحروف عبر تشبيكها لتكوين الكلمة المرادة للإجابة. وبعد الامتحان بأسابيع حصل سلمان على شهادة محو أمية موقعة من وزير التربية والتعليم، حصل معد التحقيق على نسخة منها.

«محمود. ر» شاب أمي فى نهاية الثلاثينيات، اصطحب شقيقه الحاصل على دبلوم زراعة، ليجيب بدلًا منه عن امتحان محو الأمية لحاجته فى استخراج رخصة قيادة سيارة من الإدارة العامة للمرور، التى تشترط حصوله على شهادة محو أمية وفقًا لاشتراط المادة 43 من قانون المرور رقم 66 لسنة 1973 المعدل بالقانون رقم 155 لسنة 1990.

شقيق محمود أدى الامتحان بدلا منه ومن 4 آخرين.. وهدف المستفيدين (وظيفة ورخصة قيادة)

شقيق محمود أدى الاختبار، وأجاب عن ورقة الامتحان بدلًا من شقيقه وأربعة أشخاص أميين آخرين كانوا معه فى لجنة الامتحان ذاتها، التى كان بها مشرفة وحيدة وأخرى موظفة. وبعد ثلاثة أسابيع وجد محمود شخصًا من الأربعة الذين ساعدهم شقيقه فى الامتحان، حاملًا شهادة محو أميته بعد أن استخرجها بسلاسة. هذا الأمر دفع محمود للتعجب، لاسيما أنه والأربعة الآخرين أجاب عنهم الشخص ذاته (أى شقيقه)، وهو لا يزال ينتظر شهادته حتى نشر هذا التحقيق، بعدما قالت له المشرفة التى اختبرته إنها ستستغرق وقتًا قليلًا كى يتم استخراجها له.

سلمان ومحمود، لم يكونا الوحيدين فهناك الآلاف منهم ممن يندرجون تحت سقف من (حصل/ يحاول الحصول) على شهادات محو الأمية بطرق مخالفة أبرزها الاستعانة بمتعلمين، بدلًا من الأميين فى اجتياز الامتحان أو عن طريق الغش، واستخدام تلك الشهادات فى الوصول لوظائف حكومية أو الحصول على رخص قيادة سيارات أجرة وخاصة.

يكشف هذا التحقيق، الذى شمل ثلاث محافظات من أصل 27 محافظة فى مصر، وهى المنوفية والقليوبية والشرقية، حصول أميين على شهادات محو الأمية دون أن يتعلموا، وأجرى معد التحقيق امتحانات أمام عدسة الكاميرا لعينة من ثلاثة أشخاص حاصلين على شهادات محو أمية للتأكد من قدرتهم على القراءة والكتابة، من خلال كتابة جملة «تحيا جمهورية مصر العربية». وكانت الإجابة صادمة حيث لم يستطع اثنان منهما كتابة سوى «مصر»، فيما كانت إجابة الثالث ضعيفة جدًا، حيث كتب «تحا مسر جمهورة عربة».

توصل معد التحقيق لإحدى الفتيات المتعلمات ممن يتم استئجارهم ليحلوا محل أميين مسجلين فى الكشوف الحكومية الرسمية لهيئة محو الأمية، وذلك على الرغم من أن الإجراءات القانونية تلزم المشرفين بالتأكد من هويات كل ممتحن، ليجتازوا الامتحان بعد حصولهم على مقابل مادى (نقدى) متفق عليه مع المُدرس/ة المسؤول/ة عن فصل محو الأمية. المدرس/ة المسؤول/ة تتحايل بهذا الأمر للحصول على 200 جنيه (12 دولارًا) مكافأة عن كل خريج يتم محو أميته، ويحصل على شهادة رسمية بذلك، وأملًا فى التعيين بوظيفة مدرس بهيئة محو الأمية (مصلحة حكومية تابعة لمجلس الوزراء) للحصول على راتب ثابت شهريًا، بدلاً من العمل خارج الهيئة بمكافأة مالية زهيدة لا تتخطى 70 جنيهًا (4 دولارات ونصف).

ماجدة السيد (اسم مستعار) لفتاة عشرينية، حاصلة على دبلوم متوسط (فنى تجاري)، تقول: «مُدرسة محو أمية طلبت منى حضور الامتحان بدلًا من أمى مسجل لديها مقابل 20 جنيهًا (دولار وربع)، ومعى آخرون كذلك. وكانت اللجنة بها ثلاثة مشرفين. المدرسة حصلت على نماذج الامتحان من المشرف الذى جاء من فرع هيئة محو الأمية بمحافظة القليوبية». ثم وزعته علينا لنبدأ الإجابة، بعدما وزعت على كل واحدة منا صورة بطاقة شخصية لأخريات من قرى مجاورة لا نعرفهن لنكتب أسماءهن وأرقامهن القومية على أوراق الإجابة. (طبعًا اللى معاهم دبلوم أو المتعلمين بشكل عام بيحلوا بسرعة، والناس الكبيرة طبعًا ما بيعرفوش يقرأوا ولا يكتبوا. بتبتدى هى تاخد الورق بتاعهم وتكتبلهم وتوزع الورق تانى عليهم، أما أحنا فبنجمع ورق بعض الناس وبنكتبلهم برضو، وبعد كده بتجمع الورق تانى مننا، وأحنا ماشيين بتدى كل واحدة مننا المبلغ المتفق عليه»، على حد قولها فى لقاء مسجل.

تبلغ ميزانية محو أمية كل فرد نحو 400 جنيه (25 دولارًا) من الميزانية السنوية لهيئة محو الأمية وتعليم الكبار البالغة 567 مليون جنيه (35 ألف دولار)، بحسب رئيس هيئة محو الأمية د. أسامة فراج. فيما تصرف مكافآت مالية للمشرفين نظير محو أمية كل طالب، مقدارها 200 جنيه (12 دولارًا) من خلال اللوائح المنظمة لعملهم بهيئة محو الأمية الصادرة برقم 8 لسنة 1991. لذلك يتعمدون الربح عن طريق تسهيل الامتحانات، واستبدال متعلمين بأميين؛ لاجتيازها، كل هذا من أجل تخريج أعداد كبيرة، والحصول على فوائد مالية كبيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د.ح (15:15ف)، (13:15 غرينيتش)

 

 


Untitled Document
حقوق الطبع والتوزيع محفوظة © 2001-2012 الجامعة العربية الأمريكية
مراسلة مسؤول الموقع
الجامعة العربية الأمريكية
جنين - فلسطين
00970-42-418888
00970-2-2973984
[email protected]
[email protected]